ابن عربي
395
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا » في الحركات والسكنات « عَلَى الطَّرِيقَةِ » المشروعة ، والصراط المستقيم هو الشرع الإلهي ، والإيمان باللّه رأس هذا الطريق ، وشعب الإيمان منازل هذا الطريق ، الذي بين أوله وغايته ، وما بين المنزلين أحواله وأحكامه « لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » لما كان الماء أصلا في كل حي حياته عرضية ، كان من استقام سقاه اللّه ماء الحياة ، فإن كان سقي عناية كالأنبياء والرسل حيي به من شاء اللّه ، وإن كان سقي ابتلاء لما فيه من الدعوى كان بحكم ما أريد بسقيه . وطلب الاستقامة من المكلف هو القيام بفرائض اللّه عليه ، لذلك قال تعالى : [ سورة الجن ( 72 ) : آية 17 ] لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً ( 17 ) « لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ » فهذا سقي ابتلاء . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 18 ] وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ( 18 ) [ اللّه تعالى مع الخلق لا الخلق مع اللّه تعالى : ] فإن اللّه مع الخلق ما الخلق مع اللّه ، لأنه يعلمهم فهو معهم أينما كانوا ، في ظرفية أمكنتهم وأزمانهم وأحوالهم ، ما الخلق معه تعالى جل جلاله ، فإن الخلق لا تعرفه حتى تكون معه ، فمن دعا اللّه مع الخلق ما هو كمن دعا الخلق مع اللّه ؛ فلا تدعوا مع اللّه أحدا ، ولا يصح السجود إلى غير اللّه ، فالسجود على الحقيقة للّه ، فمن سجد لغير اللّه عن أمر اللّه قربة إلى اللّه طاعة للّه فقد سعد ونجا ، ومن سجد لغير اللّه عن غير أمر اللّه قربة إلى اللّه فقد شقي . [ سورة الجن ( 72 ) : آية 19 ] وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) « وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ » [ إضافة الحق محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إليه صفة : ] يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم فأضافه إليه صفة ، أي صفته العبودية ، فشهد اللّه تعالى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه عبد كامل العبودية ، فإنه لم يتحقق بهذا المقام على كماله مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان عبدا محضا زاهدا في جميع الأحوال التي تخرجه عن مرتبة العبودية ، فشهد اللّه له بأنه عبد مضاف إليه من حيث هويته واسمه الجامع ، فقال في حق اسمه « وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ » وقال في حق هويته ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ) فأسرى به عبدا ،